مطلوب منظومة تشريعية تحقق التوازن بين حماية التراث وحقوق الملكية.. خريطة طريق لحماية ذاكرة مصر «المعمارية» من الهدم! لينك المقال اضغط هنا


https://gate.ahram.org.eg/daily/News/205648/3/1023146/%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A7%D8%AA/%D9%85%D8%B7%D9%84%D9%88%D8%A8-%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%AA%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B2%D9%86-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%AD%D9%85%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB.aspx

لم يعد ملف حماية التراث المعمارى فى مصر قضية ثقافية أو أثرية تخص المتخصصين وحدهم، بل تحول إلى أحد أهم الملفات الوطنية المرتبطة بالحفاظ على هوية الدولة وذاكرة مدنها وقوتها الناعمة. فالمبانى التاريخية ليست مجرد أحجار صامتة أو واجهات معمارية عتيقة، وإنما شواهد حية على تاريخ الوطن، وسجل بصرى يوثق تطور المجتمع المصرى عبر عقود طويلة، ويجسد مدارس معمارية وفنية وإنسانية صنعت شخصية المدن المصرية ومنحتها تفردها بين مدن العالم.

ورغم صدور القانون رقم 144 لسنة 2006 بهدف حماية المبانى والمنشآت ذات الطراز المعمارى المتميز، فإن التطبيق العملى خلال ما يقرب من عقدين كشف عن تحديات وثغرات تشريعية وإجرائية سمحت بفقدان عدد من المبانى التراثية، نتيجة بطء إجراءات التسجيل، وضعف العقوبات، وتداخل الاختصاصات، وغياب الحوافز الاقتصادية التى تشجع الملاك على الحفاظ على تلك المبانى، لتتواصل خسارة أجزاء من الذاكرة العمرانية المصرية.

وفى ظل مناقشة مشروع تعديل القانون، تتجه الأنظار إلى البرلمان والحكومة أملاً فى إقرار منظومة تشريعية أكثر قوة ومرونة، تحقق التوازن بين حماية التراث وصون حقوق الملكية، وتوفر آليات مستدامة للتمويل والترميم، بما يحول المبانى التراثية إلى مورد اقتصادى وثقافى وسياحى يعزز التنمية المستدامة، بدلاً من اعتبارها عبئًا على أصحابها.

تحقيقات «الأهرام» تستطلع آراء نخبة من كبار أساتذة الآثار وخبراء التراث، الذين يجمعون على أن إنقاذ ما تبقى من التراث المعمارى لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية عاجلة.

مسئولية وطنية

د. محمد حمزة

أكد الدكتور محمد حمزة، نائب رئيس جامعة القاهرة السابق وعميد كلية الآثار بجامعة القاهرة السابق، أن حماية ما تبقى من التراث المعمارى المصرى لم تعد قضية تخص علماء الآثار أو المهتمين بالثقافة وحدهم، وإنما أصبحت مسئولية وطنية تتعلق بالحفاظ على هوية الدولة المصرية وذاكرتها الحضارية، فى ظل ما يشهده العالم من اهتمام متزايد بصون التراث العمرانى باعتباره أحد أهم روافد التنمية المستدامة، وركيزة أساسية من ركائز القوة الناعمة.

وأوضح أن القانون رقم 144 لسنة 2006 الخاص بالحفاظ على المبانى والمنشآت ذات الطراز المعمارى المتميز أدى دورًا مهمًا عند صدوره، إلا أن مرور ما يقرب من عقدين من الزمن كشف عن الحاجة الملحة إلى تطويره بما يتناسب مع المتغيرات العمرانية والتحديات الراهنة، مشيرًا إلى أن بعض النصوص الحالية لم تعد كافية لتوفير الحماية القانونية الكاملة للمبانى التراثية، وهو ما يستوجب الإسراع فى إدخال تعديلات تشريعية تمنح الجهات المختصة صلاحيات أكثر فاعلية، وتغلق أى ثغرات قد تُستغل للإضرار بالتراث العمرانى. وشدد على أن الحفاظ على التراث المعمارى لا يتحقق بالقوانين وحدها، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تتضافر فيها جهود مجلس النواب والحكومة ووزارات الثقافة والسياحة والآثار والتنمية المحلية والإسكان، إلى جانب المحافظات والجامعات والنقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدنى.

تراث بورسعيدى فريد

وأشار إلى أن محافظة بورسعيد تمثل إحدى أهم المدن التراثية فى مصر، لما تضمه من ثروة معمارية فريدة تمثل نحو 10% من إجمالى المبانى التراثية المسجلة على مستوى الجمهورية، وهو ما يمنحها مكانة استثنائية تستوجب وضعها فى مقدمة أولويات الدولة عند مناقشة أى تعديلات تشريعية تتعلق بحماية التراث العمرانى، لافتًا إلى أن طرزها المعمارية المميزة تعكس مرحلة تاريخية بالغة الأهمية من تاريخ مصر الحديث، وتمثل قيمة ثقافية وإنسانية تتجاوز حدود المحافظة. وطالب بسرعة الانتهاء من مشروع تعديل القانون رقم 144 لسنة 2006 وإقراره فى أقرب وقت، بما يتضمن تشديد العقوبات على كل من يتسبب فى هدم أو تشويه المبانى التراثية، ووضع آليات واضحة ومستدامة لتمويل أعمال الترميم والصيانة، وتقديم حوافز تشجيعية للملاك للحفاظ على مبانيهم.

وثمّن الدكتور محمد حمزة اهتمام الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة بإحياء المناطق التاريخية وتطويرها، معتبرًا أن ما تحقق من مشروعات قومية فى مجال الحفاظ على التراث العمرانى يعكس رؤية وطنية واعية بأهمية الهوية الحضارية، إلا أنه شدد على أن هذه الإنجازات يجب أن تستكمل بإطار تشريعى أكثر قوة ومرونة، يضمن حماية مستدامة للمبانى التراثية فى جميع المحافظات، مشددًا على أن كل مبنى تراثى يتم إنقاذه يمثل انتصارًا للهوية الوطنية، بينما يمثل فقدان أى مبنى تاريخى خسارة لا تعوض للوطن وللتراث الإنسانى، وهو ما يجعل الإسراع فى تعديل القانون وتضافر جهود جميع مؤسسات الدولة والمجتمع واجبًا وطنيًا لا يقبل التأجيل. مطالبًا بدمج القوانين الأربعة فى قانون واحد يكون تحت مسمى «المجلس الأعلى للآثار والتراث» حتى يكون ملزمًا لكل الجهات.

مجلس أعلى للتراثد. مجدى شاكر

من جانبه، أكد الدكتور مجدى شاكر، كبير الأثريين، أن المرحلة الحالية تتطلب إنشاء مجلس أعلى للحفاظ على التراث يضم جميع الجهات المعنية، ويعمل كجهة تنسيقية عليا تتولى وضع السياسات العامة، ومتابعة تنفيذ خطط الحماية والتطوير، والتنسيق بين أجهزة الدولة المختلفة، بما يضمن توحيد الرؤى والقرارات الخاصة بالحفاظ على التراث العمرانى والمعمارى فى جميع المحافظات، بعيدًا عن تضارب الاختصاصات أو تداخل المسئوليات.

وأوضح أن أولى مهام هذا المجلس يجب أن تتمثل فى إعداد حصر شامل ودقيق لجميع المبانى التراثية على مستوى الجمهورية، مع إنشاء قاعدة بيانات رقمية حديثة تتضمن الحالة الإنشائية لكل مبنى، وقيمته التاريخية والمعمارية، واحتياجاته من أعمال الترميم والصيانة، بما يسمح بوضع أولويات واضحة للتدخل.

وأشار إلى أن مصر تمتلك أكثر من ستة آلاف مبنى تراثى موزعة فى العديد من المحافظات، وهى ثروة حضارية لا تقدر بثمن، وإذا أُحسن استثمارها وإدارتها وفق رؤية اقتصادية وسياحية متكاملة، فإنها ستتحول إلى أحد أهم مصادر الدخل القومى، من خلال دمجها فى البرامج السياحية، وإعادة توظيفها بصورة تحافظ على قيمتها التاريخية، مع تحويل عدد منها إلى مراكز ثقافية، ومتاحف، وفنادق تراثية، ومقار للأنشطة الإبداعية، بما يحقق عائدًا اقتصاديًا.

مراجعة شاملة للتشريعات

وأكد أن التشريعات الحالية تحتاج إلى مراجعة شاملة تتواكب مع حجم التحديات التى تواجه التراث العمرانى، مشددًا على أهمية تعديل القوانين المنظمة للحفاظ على المبانى التراثية، ودمجها فى قانون موحد وواضح يلزم جميع الجهات دون استثناء، ويحدد المسئوليات بدقة، ويضع عقوبات رادعة لكل من يتسبب فى هدم أو تشويه أو الإضرار بأى مبنى ذى قيمة تراثية.

تعديلات قانونية لازمة

د. ماجدة الشيخة

وترى الدكتورة ماجدة الشيخة، الأستاذة بكلية الآثار بجامعة القاهرة، أن القانون رقم 144 لسنة 2006 كان يمثل عند صدوره نقلة مهمة فى مسار حماية المبانى ذات الطراز المعمارى المتميز، إلا أن الواقع العملى أثبت أن التطورات العمرانية والضغوط الاستثمارية المتزايدة كشفت عن ثغرات تشريعية وإجرائية أضعفت من فاعليته، وأتاحت فى بعض الحالات خروج مبانٍ ذات قيمة تاريخية من مظلة الحماية، الأمر الذى انتهى إلى فقدان جزء من الرصيد الحضارى والعمرانى الذى لا يمكن تعويضه.

وأشارت إلى أن مشروع تعديل القانون يمثل استجابة حقيقية لما أفرزته التجربة من تحديات، موضحة أن التعديلات المقترحة لا تستهدف فقط تشديد إجراءات الحماية، وإنما إعادة بناء منظومة متكاملة تضمن تحديث معايير تسجيل المبانى التراثية، وإحكام إجراءات مراجعة قرارات الإدراج، ومنع استغلال الثغرات القانونية التى سمحت فى السابق بهدم مبانٍ كانت تمثل علامات بارزة فى تاريخ المدن المصرية.

وأكدت أن خسائر التراث المعمارى خلال السنوات الماضية تجاوزت مجرد فقدان عدد من المبانى التاريخية، لأنها مست هوية المدن المصرية وخصوصيتها العمرانية، وأفقدت الأجيال الجديدة شواهد حية على مراحل مهمة من تاريخ الوطن. وأضافت أن العمارة التراثية ليست واجهات حجرية فحسب، بل سجل مفتوح للتاريخ، ووعاء للذاكرة الوطنية، وعنصر رئيسى فى تعزيز القوة الناعمة المصرية ودعم السياحة الثقافية التى تعتمد على أصالة المكان وتفرده.

وأشارت إلى أن محافظة بورسعيد تمثل نموذجًا بالغ الأهمية فى هذا الملف، لما تضمه من نسيج معمارى استثنائى يجسد حقبة تاريخية فريدة ارتبطت بنشأة المدينة وتطورها. وأكدت أن واقعة هدم مبنى «البوستة الفرنسية» كشفت الحاجة الملحة إلى تطوير أدوات الحماية القانونية، وتعزيز سرعة تدخل الجهات المختصة قبل وقوع الضرر، لأن فقدان أى مبنى تراثى يعنى ضياع صفحة من التاريخ لا يمكن استعادتها مهما بلغت دقة عمليات التوثيق. وطالبت الحكومة ومجلس النواب بسرعة الانتهاء من مناقشة وإقرار مشروع القانون، مؤكدة أن عامل الوقت أصبح حاسمًا، وأن أى تأخير قد يترتب عليه فقدان المزيد من المبانى.

عقوبات رادعةد. سمر حمدون

وفى سياق متصل، أكدت سمر حمدون، مدرسة المتاحف والآثار والتراث بكلية الآثار جامعة عين شمس، أن أبرز أوجه القصور فى القانون الحالى تتمثل فى اعتماده على تسجيل المبنى ضمن قوائم التراث باعتباره الشرط الأساسى للحماية، وهو ما جعل العديد من المبانى ذات القيمة التاريخية عرضة للهدم قبل استكمال إجراءات الحصر والتسجيل.

وأشارت إلى أن العقوبات التى نص عليها القانون لم تعد تتناسب مع حجم المخالفة أو مع الأرباح الكبيرة التى يحققها البعض من إزالة المبانى التراثية وإقامة أبراج سكنية أو مشروعات استثمارية مكانها، مؤكدة أن ضعف العقوبات شجع على استمرار التعديات، كما أن تحميل المالك وحده مسئولية أعمال الترميم والصيانة دون توفير أى دعم مالى أو فنى أو حوافز اقتصادية، دفع البعض إلى السعى لإخراج مبانيهم من قوائم الحصر أو الامتناع عن صيانتها حتى تصبح عرضة للإزالة.

د. حسن قلاد

أكد الدكتور حسن قلاد، الباحث الأثرى ومفتش الآثار بوزارة السياحة والآثار، أن مشروع تعديل القانون يمثل خطوة مهمة نحو معالجة هذه الإشكاليات، لما يتضمنه من حلول تشريعية أكثر توازنًا، من بينها تشكيل لجان تظلمات محايدة تضم خبرات فنية وقانونية متخصصة لضمان نزاهة القرارات، ومنح جهات الدولة، وفى مقدمتها هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، صلاحيات قانونية لشراء المبانى التراثية من أصحابها وفق ضوابط عادلة. وأشار إلى أن التعديلات المقترحة تتضمن كذلك تشديد العقوبات على الإهمال المتعمد للمبانى التراثية، ومد فترات البت فى الإجراءات، بما يمنع استغلال عامل الزمن فى ترك المبنى حتى يصل إلى مرحلة الانهيار أو التهالك، ثم المطالبة بإزالته. وأكد أن مصر فقدت خلال العقود الأخيرة عددًا كبيرًا من الفيلات التاريخية والمبانى الكوزموبوليتانية فى القاهرة والإسكندرية ومدن القناة، وهو ما يمثل خسارة لا تعوض للذاكرة الوطنية، موضحًا أن هدم هذه المبانى لا يقتصر أثره على اختفاء مبنى قديم، وإنما يمتد إلى تشويه المشهد الحضارى وإضعاف عناصر الجذب السياحى، لأن السائح يأتى إلى مصر بحثًا عن أصالتها وتاريخها وخصوصيتها العمرانية، وليس لمشاهدة مبانٍ خرسانية متشابهة يمكن أن يجد مثيلاتها فى أى مكان آخر.

وأضاف أن حادث هدم مبنى «البوستة الفرنسية» فى يونيو 2026 شكّل صدمة كبيرة لكل المهتمين بالتراث المصرى، فهذا المبنى الذى شُيد عام 1867 قبل افتتاح قناة السويس بعامين، ظل شاهدًا على أهم الأحداث التاريخية التى مرت بها بورسعيد، بدءًا من احتفالات افتتاح القناة حتى التحولات السياسية والاجتماعية التى شهدتها المدينة، وظل محتفظًا بطرازه المعمارى المميز رغم تعاقب الأزمنة.

وأوضح أن إدراج المبنى ضمن قوائم الحماية لم يكن كافيًا لإنقاذه، بعدما تُرك سنوات طويلة يعانى الإهمال والتصدعات حتى انتهى الأمر بإزالته. وطالب بإنشاء صندوق وطنى أو سيادى لحماية التراث المعمارى، يتم تمويله من نسبة من عوائد التصالحات أو الضرائب والرسوم السياحية، لتقديم الدعم اللازم لترميم المبانى ذات القيمة التاريخية، مع منح إعفاءات ضريبية وجمركية على مواد الترميم المتخصصة، وتوفير فرق استشارية هندسية مجانية من خلال الجهات المختصة.

مقالاتأخبارغير مصنف

Comments are disabled.