مقال : الاستاذ/أحمد أبو علي من جريدة المصري اليوم عن الثقافة كرافعة للتنمية المستدامة… من بلباو إلى بورسعيد ومستقبل المدن التاريخية في مصر لينك المقال https://www.almasryalyoum.com/news/details/4325930


لماذا تنجح مدن لا تُعد من العواصم العالمية فى أن تصبح وجهات يقصدها ملايين الزوار سنويًا، وتضخ فى اقتصادياتها مليارات الدولارات، بينما تمتلك مدن مصرية عريقة تاريخًا أعمق وموقعًا أكثر تميزًا، ولا تحظى بالمكانة نفسها؟ ولماذا أصبحت أسماء مثل بلباو الإسبانية، وبورتو البرتغالية، وترييستى الإيطالية، علامات عالمية فى الثقافة والسياحة وجودة الحياة، بينما ما زلنا ننظر إلى كثير من مدننا باعتبارها مجرد تجمعات سكانية أو مراكز خدمية؟

لم تعد الثقافة فى الفكر التنموى الحديث مجرد وسيلة للحفاظ على التراث أو دعم الفنون، وإنما أصبحت أحد أهم محركات النمو الاقتصادى الحضرى. فالمدن الأكثر نجاحًا لم تحقق مكانتها لأنها شيدت أبراجًا أعلى أو طرقًا أوسع، بل لأنها استطاعت تحويل تاريخها وعمارتها وهويتها وثقافتها إلى قيمة اقتصادية مستدامة. وقد أصبح ما يعرف بـ«الاقتصاد الإبداعى» أحد أسرع القطاعات نموًا فى العالم، حيث تسهم الصناعات الثقافية والإبداعية بنحو ٣٪ من الناتج المحلى الإجمالى العالمى، وتوفر عشرات الملايين من فرص العمل. كما ينسجم هذا التوجه مع أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، التى تؤكد أهمية بناء مدن جاذبة وقادرة على صون تراثها وتحقيق نمو اقتصادى قائم على الابتكار.

ومن هنا، فإن الإجابة لا تكمن فى حجم الاستثمار أو حداثة المبانى وحدهما، بل فى وجود رؤية تعتبر هوية المدينة نفسها أصلًا اقتصاديًا يجب الحفاظ عليه واستثماره. فحين تتحول العمارة والتراث والثقافة والمشهد العمرانى إلى تجربة متكاملة يعيشها الزائر والمقيم، تصبح المدينة مقصدًا عالميًا، وتتحول الثقافة إلى محرك للتنمية.

وانطلاقًا من هذا المفهوم، تستحق بورسعيد أن يُعاد النظر إليها باعتبارها مشروعًا وطنيًا للتنمية الحضرية والثقافية، لا يقل طموحًا عما حققته بلباو، مع الحفاظ الكامل على شخصيتها المصرية والمتوسطية الفريدة.

وخلال مشاركتى فى المؤتمر السنوى لجمعية بورسعيد التاريخية، الذى انعقد بعنوان «بورسعيد مدينة الثقافة المستدامة» فى رحاب جامعة بورسعيد فى شهر يونيو الماضى فى حضور نخبة من أبناء بورسعيد، طرحت الجمعية رؤية طموحة تستحق التوقف عندها؛ وهى تحويل بورسعيد إلى واحدة من أهم المدن الثقافية والسياحية فى منطقة البحر المتوسط. وتستند هذه الرؤية إلى حقيقة أثبتتها تجارب التنمية الحديثة، وهى أن المدن لا تُقاس أهميتها فقط بحجم النشاط الاقتصادى الذى تحتضنه، بل أيضًا بقدرتها على بناء هوية ثقافية تجعلها جاذبة للاستثمار والسياحة والمواهب والإبداع. وقد استند الطرح إلى تجربة مدينة بلباو الإسبانية باعتبارها نموذجًا عالميًا ناجحًا فى إعادة صياغة مستقبل مدينة كاملة من خلال الثقافة والهوية.

ورغم اختلاف الظروف، فإن أوجه الشبه بين بورسعيد وبلباو لافتة. فكلتاهما نشأتا حول الميناء والتجارة البحرية. تأسست بورسعيد عام ١٨٥٩ مع بدء حفر قناة السويس لتكون بوابة مصر الشمالية على العالم، بينما تطورت بلباو خلال القرن التاسع عشر حول مينائها على مصب نهر نرفيون لتصبح القلب الصناعى لإقليم الباسك. وفى الحالتين تشكلت هوية المدينة حول دورها كميناء عالمى ومركز للحركة التجارية.

لكن ما يميز تجربة بلباو ليس تاريخها الصناعى، وإنما قدرتها على إعادة تعريف نفسها عندما تراجعت الصناعات التقليدية وارتفعت البطالة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضى. فقد اختارت أن تتحول إلى مركز للثقافة والخدمات والسياحة والاقتصاد المعرفى. ومن هنا ظهر ما يعرف عالميًا باسم «تأثير بلباو» (Bilbao Effect)، وهو المصطلح الذى يصف قدرة مشروع ثقافى أو عمرانى رائد على إحداث تحول اقتصادى واجتماعى شامل فى مدينة بأكملها. وقد تجسد ذلك فى إنشاء متحف غوغنهايم عام ١٩٩٧ ضمن خطة متكاملة شملت تطوير الواجهة البحرية، وتحديث منظومة النقل، وتحسين البيئة الحضرية، والحفاظ على التراث العمرانى، وربط الثقافة بالتنمية الاقتصادية. واليوم يستقبل المتحف أكثر من مليون زائر سنويًا، ويحقق عوائد اقتصادية بمئات الملايين من اليورو، حتى أصبحت تجربة بلباو تُدرَّس فى كليات التخطيط والتنمية حول العالم.

وبلباو ليست النموذج الوحيد. فمدينة بورتو البرتغالية نجحت فى تحويل واجهتها النهرية ومخازنها التاريخية إلى فنادق ومراكز ثقافية مع الحفاظ على طابعها العمرانى، بينما أعادت ترييستى الإيطالية توظيف تراثها المعمارى وميناءها التاريخى ليصبحا ركيزة للسياحة والثقافة، وأصبحت فاليتا المالطية نموذجًا عالميًا فى استثمار التراث حتى اختيرت عاصمة للثقافة الأوروبية عام ٢٠١٨.

والسؤال الذى يطرح نفسه هو: ماذا يمكن أن تتعلم بورسعيد وغيرها من المدن المصرية من هذه التجارب؟ أول الدروس أن التنمية المستدامة لا ينبغى أن تعتمد على نشاط اقتصادى واحد، بل على اقتصاد متنوع يجمع بين الخدمات واللوجستيات والسياحة والثقافة والصناعات الإبداعية.

وثانيها أن التراث العمرانى ليس عبئًا على التنمية، بل يمكن أن يكون أحد أهم محركاتها. فبورسعيد تمتلك طرازًا معماريًا فريدًا، ومبانى تاريخية نادرة، وشخصية حضرية يصعب تكرارها.

أما الدرس الثالث فهو إعادة اكتشاف العلاقة بين المدينة ومياهها. فكما تحولت واجهة بلباو البحرية إلى مركز للحياة الاقتصادية والثقافية، تستطيع بورسعيد أن توظف واجهتها البحرية وموقعها الفريد عند المدخل الشمالى لقناة السويس لخلق فضاءات ثقافية وسياحية جاذبة.

غير أن نجاح هذه الرؤية يتطلب استراتيجية متكاملة تشمل حماية التراث العمرانى، وإعادة تأهيل المبانى التاريخية، وتطوير الواجهة البحرية، وإنشاء مشروع ثقافى عالمى يعكس تاريخ قناة السويس والملاحة البحرية، وإطلاق مهرجانات ثقافية دولية، وتشجيع الاستثمار فى الصناعات الإبداعية. فالقيمة الحقيقية تكمن فى إعادة اكتشاف المدينة نفسها.

ولا يعنى ذلك استنساخ تجربة بلباو، فلكل مدينة شخصيتها وتاريخها. بل إن بورسعيد تمتلك مزايا قد لا تتوافر لبلباو نفسها، وفى مقدمتها موقعها الاستثنائى عند المدخل الشمالى لقناة السويس، وتاريخها الوطنى، وتراثها الكوزموبوليتانى الذى جعلها لعقود طويلة نقطة التقاء بين ثقافات متعددة. وربما لا تحتاج بورسعيد إلى «متحف غوغنهايم» جديد، بقدر ما تحتاج إلى مشروع متكامل يعبر عن شخصيتها الخاصة، ويربط بين تاريخ قناة السويس، والتراث المعمارى، والواجهة البحرية، والأنشطة الثقافية والإبداعية، فى إطار رؤية شاملة للتنمية الحضرية.

ولعل الدرس الأهم من تجربة بلباو لا يتعلق ببورسعيد وحدها، بل بمصر كلها. فلدينا مدن تمتلك من التاريخ والهوية والعمارة والموقع ما يجعلها مؤهلة لأن تصبح محركات للنمو إذا ما أُحسن استثمار هذه المقومات ضمن رؤية تنموية متكاملة. فالإسكندرية، ورشيد، والسويس، والإسماعيلية، والأقصر، وأسوان، وغيرها من المدن، لا تحتاج إلى استنساخ تجارب الآخرين، بل إلى إعادة اكتشاف شخصيتها الفريدة وتحويلها إلى قيمة اقتصادية وثقافية مستدامة.

لقد اعتدنا أن ننظر إلى رأس المال القومى باعتباره ما نملكه من أراضٍ، وموانئ، وطرق، ومصانع، وموارد طبيعية. لكن الاقتصاد الحديث يضيف إلى ذلك نوعًا آخر من الثروة لا يقل أهمية، هو «رأس المال الثقافى»؛ أى ما تختزنه الدولة من تاريخ، وتراث، وعمارة، وهوية، وإبداع، وجودة حياة. وهذا الرأس المال، إذا أُدير بكفاءة، لا يحفظ الماضى فحسب، بل يصنع فرص العمل، ويجذب الاستثمار، ويعزز السياحة، ويرفع قيمة المدن، ويقوى الانتماء الوطنى. وحين تتحول الثقافة إلى استثمار، والهوية إلى ميزة تنافسية، والتراث إلى أصل اقتصادى، تصبح التنمية أكثر استدامة، وتتحول المدن المصرية من مجرد أماكن تحمل ذاكرة الماضى إلى مدن تصنع المستقبل.

* عضو مجلس إدارة المركز المصرى للدراسات الاقتصادية

مقالاتأخبارغير مصنف

Comments are disabled.